محمد جمال الدين القاسمي
216
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
أراد يوسف تبشير أبيه بحياته ، وإدخال السرور عليه بذلك ، وتصديقه بإرسال حلة من حلله التي كان يستشعر بها أو يتدثر ، ليكون في مقابلة القميص الأول ، جالب الحزن ، وغشاوة العين . و ( الإلقاء على وجهه ) بمعنى المبالغة في تقريبه منه ، لما ناله من ضعف بصره ، فتتراجع إليه قوة بصره ، بانتعاش قلبه ، بشمّه واطمئنانه على سلامته . وللمفرحات تأثير عظيم في صحة الجسم ، وتقوية الأعضاء ، وقد جوّد الكلام في ذلك الحكيم داود الأنطاكيّ في ( تذكرته ) في مادة مفرح بما لا يستغنى عن مراجعته . وفي ( الكنوز ) من كتب الطب : الفرح ، إن كان بلطف ، فإنه ينفع الجسم ، ويبسط النفس ، ويريح العقل ، فتقوى الأعضاء وتنتعش . انتهى . ثم رأيت الرازيّ عوّل على نحو ما ذكرناه ، وعبارته : قال المفسرون : لما عرفهم يوسف سألهم عن أبيه ، فقالوا : ذهبت عيناه ، فأعطاهم قميصه . قال المحققون : إنما عرف أن إلقاء القميص على وجهه يوجب قوة البصر بوحي من اللّه تعالى ، ولولا الوحي ، لما عرف ذلك ، لأن العقل لا يدل عليه . ويمكن أن يقال : لعل يوسف عليه السلام علم أن أباه ما صار أعمى إلا أنه من كثرة البكاء ، وضيق القلب ، ضعف بصره ، فإذا ألقي عليه قميصه ، فلا بد أن ينشرح صدره ، وأن يحصل في قلبه الفرح الشديد . وذلك يقوي الروح ، ويزيل الضعف عن القوى ، فحينئذ يقوى بصره ، ويزول عنه ذلك النقصان . فهذا القدر مما يمكن معرفته بالقلب . فإن القوانين الطبية تدل على صحة هذا المعنى . انتهى . ولعل الرازيّ عنى بالمحققين الصوفية ، أو من يقف على الظاهر وقوفا بحتا ، ولا يخفى أن أسلوب التنزيل في كناياته ومجازاته أسلوب فريد ، ينبغي التفطن له . وقد جوز في قوله : يَأْتِ بَصِيراً أن يكون معناه يصير بصيرا ، أو يجيء إليّ بصيرا ، على حقيقة الإتيان ف ( بصيرا ) حال . قيل : ينصره قوله : وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ أي : بأبي وغيره ، وفيه نظر ، لأن اتحاد الفعلين هنا في المبنى لا يدل على اتحادهما في المعنى . ولا يقال : الأصل الحقيقة ، لأن ذلك فيما يقتضيه السياق ، ولا اقتضاء هنا . فالأول أرق وأبدع ، لما فيه من التجانس . روي أن يوسف عليه السلام ، بعد أن دعا لهم بالمغفرة قال لهم : إن اللّه بعثني أمامكم لأحييكم وقد مضت سنتا جوع في الأرض وبقي خمس سنين ، ليس فيها حرث ولا حصاد . فأرسلني اللّه أمامكم ليجعل لكم بقية في الأرض ، ويستبقيكم